هذا جانب مهم وغير متداول من حياة وشخصية الإمام أبي مدين شعيب نستشفه من خلال تجربته في بيت المقدس ودوره التربوي والفكري في خدمة قضايا المسلمين بما يشكل تجسيدا فعليا لقيم الصلاح وإشاعة الخير وبث العزائم في النفوس، ويؤكد أن المعاني الإسلامية العميقة المتعالية عن الظهور والقِشْرِية لا محالة باعثة للمواقف الحاسمة والمفصلية في حياة الشعوب... فهاهو صاحبنا أبو مدين وهو الذي صقلت شخصيته بالعلم والصلاح والسياحة وملاقاة الأخيار يبث في محبيه وتلاميذه روح الجهاد في سبيل فلسطين.. وكانت النتيجة المنطقية أن خرج المجاهدون من مدرسة هذا الرجل العظيم أبي مدين شعيب، خرجوا من رباطه ببجاية وغيرها من الحواضر والقرى بعد أن استنفرهم الأستاذ المربي قاصدين بيت المقدس للإسهام في تحرير المسجد الأقصى في معركة حطين الشهيرة سنة 583هـ، تحت إمرة صلاح الدين الأيوبي، وكانوا في طليعة جيشه ..
وقبل وفاة أبي مدين شعيب بسنوات قليلة، أوقف من ماله الخاص قرية "عين كارم" بكاملها بضواحي القدس الشريف، وقرية "إيوان" التي تقع داخل المدينة العتيقة ويحدها شرقا حائط البراق. وقرية "عين كارم من أشهر قرى القدس الغربية، وفيها من العيون ومصادر المياه والأشجار المزروعة والثمار والعنب.. وكل حق يعود لهذه القرية يكون لصالح هذا الوقف. كما أوقف أبو مدين سكنا للواردين من المغاربة ومحلات ومرافق عمومية، وجعل عائدات هذا الوقف خالصة لأهل هذا الحي وجعل شروطاً واضحة لمن تكون له نظارة هذا الوقف، وشروطاً كذلك في طريقة التوزيـع والمستفيدين وما يرتبط بذلك..
جاء في وثيقة الوقف: "أوقفها بأموالها ومياهها وآبارها وسواقيها وسهلها ووعرها ومبانيها وقفا لله يصرف للسابلة من المغاربة المارين والمنقطعين للعلم والجهاد المرابطين على وصية صلاح الدين الأيوبي" وقال في آخرها: "ومن بدل أو غير فالله حسيبه، ومن بدل أو غيّر فلعنة الله عليه والملائكة والناس أجمعين".
بقيت "عين كارم" أعظم أوقاف الإسلام بفلسطين، وقف الإمام أبي مدين شعيب، أكثر من ثمانية قرون صامدة وحامية لبيت المقدس من أضعف جهاته الجهة الغربية، عند باب النبي، حتى جاء ونسفها الاحتلال الصهيوني سنة 1948 واحتلوها بالكامل. وفي 12 يونيو 1967 أصدر موشي ديان قرارا بهدم حي المغاربة.... لقد كان هذا الحي رمزا لتعلق المغاربة بالقدس الشريف، وكان جُلُّهم يمر بالشام بعد إتمام فريضة الحج حتى يحقق أجر الرحلة إلى المساجد الثلاثة، المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى. وكان المغاربة يقصدونه كذلك طلبا للعلم، كما أن الكثير من أعلام المغرب أقاموا هناك لبضع سنوات، كأمثال الشيخ صالح بن حرازم –عم وأستاذ علي بن حرزهم- المتوفي بفاس أواسط القرن السادس والشيخ المقري التلمساني صاحب كتاب "نفح الطيب"..
ولما شاع أمر أبي مدين وانتشر خبره -وهو بمقامه ببجاية-، طلب يعقوب المنصور الموحدي استقدامه إلى مراكش بعدما قيل له "إنه يُخاف منه على دولتكم...، وله أتباع كُثُر في أغلب البلاد.." واتهم بأنه ادّعى المهدوية، وهي تهمة لها وقع بالغ في بلاط حكام بنيت عقيدة دولتهم على ادعاء مؤسسها الأول المهدي ابن تومرت أنه المهدي - وبعث إليه بالقدوم، -إلى عاصمة الحكم آنذاك مراكش- ليعلم من أمره، فلما تهيأ الشيخ للسفر شق ذلك على أصحابه فارتحلوا به على أحسن حال، حتى وصلوا حوز تلمسان، فظهرت رابطة العُبّاد، فأصابه مرض، وعند وصوله إلى وادي يسر اشتد به الألم وفاضت روحه، وكانت وفاته سنة 594هـ وعمره يفوق الثمانين حسبما ذكره أحمد العلاوي المستغانمي في إحدى كتاباته
0 التعليقات :
إرسال تعليق